الشيخ محمد الصادقي الطهراني

51

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

عن المعجزة ، ولذلك تراهم لا يعترضون ويتشككون في القرآن الذي يتقولون أنه سحر إلا فيمن جاء به : « وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » « 1 » . هنا الواو تعطف على معطوف عليه كالمعطوف مثل « لو شاء ربنا لأنزل ملائكة » ثم التنزل إلى هذا المعطوف ، لو كانت النبوة فيه ف « لولا نزل . . . » ؟ فلم تبق من الريبة في هذا الحق إلا نزوله على يتيم غير ذي مال ولا منال ، فلو نزل على رجل من القريتين عظيم لكانوا مصدقيه ؟ أترى إن كان القرآن سحراً - فهو سحر أيا كان وبيد أيٍّ من الرسل كان - فهل يتحول السحر إلى المعجزة إن تحول من يدٍ لا ترضونها إلى مَن ترضون ، أم يتحول المعجزة إلى السحر لو عكس الأمر ، تلك إذا قسمة ضيزي ! هؤلاء الحمقاني المخلدِين إلى الحياة الدنيا وزهراتها وزهواتها ، لما اختلت عندهم الموازين ، ورأوا العظمة فقط في الجاه والمال وساير قِيَم الأرض ، استعظموا رسالة السماء أن تنزل إلا على عظيم في ميزان الأرض ، عظمة خيالية وخارجة عن طبيعة الرسالة ، بل ومنافية لها غير مواتية معها وقد اعتبروها اصلًا ومحوراً للتفاضلات فلتتَّبعه فضيلة السماء ولكن « اللَّه اعلم حيث يجعل رسالته » يجعلها فيما لها سند من داخله ، مسانداً لها غير معاند ، الخليق المتجرد عن كافة العلاقات والصلات إلا باللَّه ، فلم يختره زعيماً ولا صاحب مال أو منال ، لكي لا تلتبس واحدة من قِيَم الأرض بقيم السماء ، ولا تزدان صلة بينهما إلا إغراء لها بمصاحب خارج عن ذاتها المجردة ، فلا يدخلها طامع ولا يتنزه عنها متعفف . فالدعوة الرسالية مجردة عن كل دعاية إلا الحقيقة البارزة من ذاتها ، والحق البارز في دعاتها ، حتى يحمل حقاً ناصعاً صارماً إلى من يتحرى عن الحق المطلق ، دونما تدجيل ودعاية زائدة تُظهر الرسالة بمظهر أعلى مما هي ، كما لا تقصر فيها لتُخفيها عما هي . و « رجل من القريتين عظيم » هو الوليد بن المغيرة المكي وأبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي الطائفي ، أمن ذا من الزعماء الأثرياء ذوي الأنفة والكبرياء ، ولو أنزل هذا القرآن على رجل منهما ، لأصبحت الرسالة المساوية التي هي للمستضعفين في أصلها ، أصبحت للمستكبرين ، أن يجتلبوا أضرابهم إليها ، أم ويخونوا في الدعوة لها ، فإنها تناحر الأثرة والكبرياء ، وتنافر المستأثرين الكبراء .

--> ( 1 ) . 43 : 31